محمد بن أحمد الفرغاني

12

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض

شهيد بحالي ، في السّماع لجاذبي ، قضاء مقرّي ، أو ممرّ قضيّتي قوله : شهيد ، أي : شاهد لحالي ، أي بالصحة ، فالجار والمجرور الذي هو مفعول شهيد لحالي محذوف وهو بالصحة ، لأنه يقال : فلان شهيد لفلان بصدقه ، واللام في لجاذبي للتعليل ، ويريد بفضاء مقرّه متّسع عالم المعاني والعلم الذي هو مقر حقيقته أزلا وأبدا ، وأراد بممرّ قضيّتي عالم الكثرة الحسّ الذي هو ممرّ حكم استكماله وإظهار ما هو المقصد الأقصى من كمال المعرفة والجمعيّة بين ظهور الكمال الذاتي والكمال الأسمائي ، والبيت هو خبر مبتدأ محذوف تقديره : حال شهودي بالوصف المذكور في البيت السابق ، وهو شهيد لحالي بالصحة . يقول : إن حال شهودي الواقع بين الوصفين المذكورين والتجاذب الحاصل بين روحي ونفسي من أثرهما بحكم ميل أحدهما إلى العروج إلى عالم الشهود ووحدته ، وميل الآخر إلى النزول إلى عالم ظهور كثرة التعيّنات الوجودية هو شهيد عدل لحالتي بصحّتها ، فيما يظهر لي في حال السماع والحركة فيه علوّا وسفلا ؛ لأني إذا سمعت نغمة طيّبة متناسبة أجزاء زمانها ومتوازية وملائمة صور ألحانها يأخذ حكم الوحدة والعدالة الحاصلة في معنى حسن تلك الصورة بعنان روحي وتجذّبها وتميّلها نحو فضاء متّسع مقرّها الذي هو عالم الشهود الوحداني إلى فوق ، ويأخذ صورة حسن تركيب ذلك الصوت والنغمة بعنان نفسي ويجرّها بحكم طبعها المستقيم وتميلها إلى ممرّ حكم ظهورها في عالم الحسّ وكثرته إلى تحت ، وأثر هاتين الجادتين يظهر في صورتي فتحرّكها إلى فوق وتحت ، ويحصل لي في هذه الحالة شهودان من حيثيّتين ، فمن حيثيّة روحي شهود كثرة نسبية من الأسماء والصفات في عين وحدة الشهود والعلم ، ومن حيثيّة نفسي شهود وحدة الوجود الظاهر في كثرة تعيّناته عن النسبية التي هي الصور الحسّية ، ويحصل لي في روحي ونفسي من هذين الشهودين مثالان مطابقان كل واحد منهما للآخر ، فإن كليهما مثال عين واحدة هي الذّات الأقدس من حيث وصفيهما المذكورين . ويثبت نفي الالتباس تطابق ال مثالين بالخمس الحواس المبينة الباء في بالخمس الحواس متعلقة بمحذوف ، يعني المثالين الحاصلين بها ، أي بواسطة إدراكها ، يعني في روحي ونفسي .